زكريا القزويني

456

آثار البلاد واخبار العباد

مرو من أشهر مدن خراسان وأقدمها وأكثرها خيرا ، وأحسنها منظرا وأطيبها مخبرا . بناها ذو القرنين ، وقهندزها أقدم منها . قيل : إنّه من بناء طهمورث . وروى بريدة بن الحصيب أن رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال : يا بريدة إنّه ستبعث من بعدي بعوث ، فإذا بعثت فكن في بعث المشرق ثم في بعث خراسان ثمّ في بعث أرض يقال لها مرو ، فإذا أتيتها فانزل مدينتها فإنّه بناها ذو القرنين وصلّى فيها عزيز ، وأنهارها تجري بالبركة ، على كلّ نقب منها ملك شاهر سيفه يدفع عن أهله السوء إلى يوم القيامة . فقدمها بريدة غازيا وأقام بها إلى أن مات . حكي أن قهندزها عمارة عظيمة ، ولمّا أراد طهمورث الملك بناء قهندز مرو بني بألف رجل ، وأقام لها سوقا فيه ما يحتاجون إليه ، فكان إذا أمسى الرجل أعطي درهما فيشتري به ما يحتاج إليه فتعود الدراهم إلى أصحاب الملك ، حتى إذا تمّ لم يخرج على البناء إلّا ألف درهم . وحكى أبو إسحق الطالقاني قال : كنت على الزربق في مسجد العرب عند عبد اللّه بن المبارك ، فانهار ركن من القهندز ، فسقطت منها جماجم ، فتناثرت من جمجمة أسنانها ، فوزنت سنّان منها فكان في كلّ واحدة منهما منوان ، فجعل عبد اللّه بن المبارك ينقلهما بيده ويتعجّب منهما ويقول : إذا كانت هذه سنّهم فكيف تكون بقيّة أعضائهم ؟ وقال : أتيت بسنّين قد قدما * من الحصن لمّا أثاروا الدّفينا على وزن منوين إحداهما * لقد كان يا صاح سنّا رزينا ثلاثون أخرى على قدرها * تباركت يا أحسن الخالقينا فماذا يقوم بأفواهها * وما كان يملأ تلك البطونا ؟ إذا ما تذكّرت أجسامهم * تصاغرت النّفس حتى تهونا